حين رفضت حور استلام توأم أختها المتوفاة وقالت للمحامي: هي أختي على الورق فقط، ولم تكن تعرف أن الصندوق الذي تركته أختها سيكشف لها سرًا غيّر معنى العائلة كله. كانت حور فتاة وحيدة تعيش في شقتها بهدوء، لا تحب المسؤوليات ولا الأطفال ولا المفاجآت، وظنت أن أكثر ما يمكن أن يحدث لها هو يوم سيئ في العمل أو زيارة مزعجة من صديقاتها. لكن في صباح غريب، وقف أمامها محامٍ يحمل أوراق محكمة، وقال لها إن أختها نور ما.تت بعد صراع مع السرطان، وإن المحكمة سلّمتها حضانة بنتيها التوأم.
تجمدت حور وقالت بحدة: آسفة، مش هقدر أقبلهم. نظر إليها المحامي بدهشة وقال: يا آنسة حور، ده قرار محكمة، والبنتين مالهمش غيرك. قالت حور: نور مش أختي غير على الورق، وأنا حتى ماعرفش أسماء البنات. رد المحامي: أسماءهم تيا وتاليا، وعمرهم ثلاث سنين، وأنتِ المسؤولة عنهم وعن أملاكهم لحد السن القانوني. سألته حور بارتباك: وأبوهم فين؟ قال المحامي: أبوهم مفقود من أربع سنين، كان في رحلة عمل ونور حامل في التوأم، ومن وقتها ما حدش يعرف عنه حاجة.
شعرت حور أن البيت ضاق عليها، فهي لا تعرف كيف تعتني بنفسها أصلًا، فكيف ستربي طفلتين جاءتا من ماضٍ كانت تحاول دفنه. في اليوم التالي ذهبت إلى المحكمة، وهناك رأت التوأم لأول مرة، بنتان صغيرتان كأنهما قمرين، عيونهما خائفة وأيديهما متشابكة. قالت الدادة التي كانت معهما: دي تيا ودي تاليا، أمهم كانت توصيني أقولك خلي بالك منهم. أخذتهما حور إلى بيتها وهي لا تعرف هل هي خائفة عليهما أم خائفة منهما، ومنذ أول ليلة بدأ البكاء والصراخ والفوضى.
وقفت حور في منتصف الصالة بشعر منكوش وصوت مرهق تقول: عايزين إيه تاني؟ أكلتوا وشربتوا ولبستوا، أعملكم إيه؟ أتحول لأرجوزة؟ ضحكت البنتان فجأة، ففرحت حور كأنها حققت معجزة، لكنهما عادتا للبكاء بعد ثوانٍ، فصرخت: يا خرابي. اتصلت بصديقتها مي تبكي، فقالت لها: شغلي كرتون يا حور، دول أطفال. شغلت الكرتون، فسكتت التوأم أخيرًا، وجلست حور على الأرض تلهث كأنها خرجت من معركة. في نفس الليلة جاءت الدادة إلى البيت ومعها صندوق خشبي صغير، وقالت: نور سابته لك لما عرفت إن أيامها قربت تنتهي.
وضعت حور الصندوق فوق الدولاب دون أن تفتحه، لأنها لم تكن مستعدة لسماع صوت أختها حتى من بعد المو.ت. مرت ستة أشهر، وتغيرت حور دون أن تشعر، صارت تحفظ نوع الحليب الذي تحبه تيا، والأغنية التي تجعل تاليا تنام، وصارت تخاف عليهما أكثر مما تعترف. لكنها بقيت تهرب من الصندوق، كلما نظرت إليه شعرت أن داخله شيئًا أكبر من قدرتها على الاحتمال. وفي مكان بعيد، داخل مستشفى خاص، استيقظ رجل من غيبوبة دامت أربع سنوات، وفتح عينيه بصعوبة بينما كان الطبيب مبارك يصرخ للممرضة: المريض فاق.
سأله الطبيب: تسمعني؟ تعرف اسمك؟ حاول الرجل الكلام، وخرج صوته مبحوحًا بكلمة واحدة: نور. تجمد الطبيب، لأن هذا الرجل كان مسجلًا بلا أهل ولا هوية واضحة، لكنه ظل طوال سنوات غيبوبته يردد أحيانًا اسم نور. في نفس اليوم، كانت حور تنظف غرفة التوأم، فسقط الصندوق من فوق الدولاب وانفتح على الأرض. خرجت منه صور قديمة، ورسائل، ومفتاح صغير، وتسجيل صوتي تركته نور لحور. شغلت حور التسجيل وسمعت صوت أختها يقول: لو وصل لك الصندوق، فاعرفي إني ما بعدتش عنك بإرادتي، وإن البنات بناتك زي ما هم بناتي.
بدأت يد حور ترتجف، فأكملت نور في التسجيل: جوزي آدم ما م.اتش، في حد حاول يق.تله عشان ياخد أملاك البنات، ولو صحي يومًا هيقول كلمة السر. وفي نفس اللحظة رن هاتف حور، وكان المحامي يقول بصوت مرتبك: في مستشفى اتصلت بيا، في رجل فاق من غيبوبة وقال اسم نور واسمك أنتِ كمان. وقبل أن تسأله حور كيف يعرفها، سمعت من خلفه صوت رجل ضعيف يقول: افتحوا الصندوق قبل ما ياخدوا البنات. نظرت حور إلى التوأم وهما نائمتان، ثم إلى المفتاح الصغير في يدها، وفهمت أن الحضانة لم تكن صدفة ولا عبئًا، بل بداية كشف سر حاول الجميع دفنه.
وفي آخر ورقة داخل الصندوق وجدت جملة بخط نور: يا حور، لو آدم صحي، اهربي بالبنتين فورًا… لأن اللي قت.لني كان من دمنا، والي عايز يعرف الباقي يكتب تم.
